محمد بن جرير الطبري
264
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
فرجعوا إلى أداء حق الله عليهم لنسائهم اللاتي آلوا منهن ، فإن الله لهم غفور رحيم ، وإن عزموا الطلاق فطلقوهن ، فإن الله سميع لطلاقهم إذا طلقوا ، عليم بما أتوا إليهن طلاق الإِيلاء . وإنما قلنا ذلك أشبه بتأويل الآية ، لأَن الله تعالى ذكره ذكر حين قال : وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ومعلوم أن انقضاء الأَشهر الأَربعة غير مسموع ، وإنما هو معلوم ، فلو كان عزم الطلاق انقضاء الأَشهر الأَربعة لم تكن الآية مختومة بذكر الله الخبر عن الله تعالى ذكره أنه سميع عليم كما أنه لم يختم الآية التي ذكر فيها الفيء إلى طاعته في مراجعة المؤلي زوجته التي آلى منها وأداء حقها إليها بذكر الخبر عن أنه شديد العقاب ، إذ لم يكن موضع وعيد على معصية ، ولكنه ختم ذلك بذكر الخبر عن وصفه نفسه تعالى ذكره بأنه غفور رحيم ، إذ كان موضع وعد المنيب على إنابته إلى طاعته ، فكذلك ختم الآية التي فيها ذكر القول ، والكلام بصفة نفسه بأنه للكلام سميع وبالفعل عليم ، فقال تعالى ذكره : وإن عزم المؤلون على نسائهم على طلاق من آلوا منه من نسائهم ، فإن الله سميع لطلاقهم إياهن إن طلقوهن ، عليم بما أتوا إليهن مما يحل لهم ، ويحرم عليهم . وقد استقصينا البيان عن الدلالة على صحة هذا القول في كتابنا وكتاب اللطيف من البيان عن أحكام شرائع الدين . فكرهنا إعادته في هذا الموضع . القول في تأويل قوله تعالى : وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ يعني تعالى ذكره . عدة طلاق والمطلقات اللواتي طلقن بعد ابتناء أزواجهن بهن ، وإفضائهم إليهن إذا كن ذوات حيض وطهر ، يتربصن بأنفسهن عن نكاح الأَزواج ثلاثة قروء . واختلف أهل التأويل في تأويل القرء الذي عناه الله بقوله : يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ فقال بعضهم : عدة طلاق هو الحيض . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ عدة الطلاق قال : حيض . حدثني المثنى قال : ثنا إسحاق ، : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع : ثَلاثَةَ قُرُوءٍ عدة الطلاق أي ثلاث حيض . يقول : تعتد ثلاث حيض . حدثني المثنى ، قال : ثنا حجاج ، قال : ثنا همام بن يحيى ، قال : سمعت قتادة في قوله : وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ يقول : حمل عدة الطلاق المطلقات ثلاث حيض ، ثم نسخ منها المطلقة التي طلقت قبل أن يدخل بها زوجها ، واللائي يئسن من المحيض ، واللائي لم يحضن ، والحامل . حدثنا علي بن عبد الأَعلى ، قال : ثنا المحاربي ، عن جويبر ، عن الضحاك ، قال : القروء عدة الطلاق : الحيض . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال ، ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عطاء الخراساني ، عن ابن عباس : وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ عدة الطلاق قال : ثلاث حيض . حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا ابن جريج ، قال : قال عمرو بن دينار : عدة الطلاق الأَقراء الحيض عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن رجل سمع عكرمة قال : الأَقراء : الحيض ، وليس بالطهر ، قال تعالى فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ عدة الطلاق ولم يقل : " لقروئهن " . حدثنا يحيى بن أبي طالب ، قال : أخبرنا يزيد ، قال : أخبرنا جويبر ، عن الضحاك في قوله : وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ عدة الطلاق قالا : ثلاث حيض . حدثنا موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ عدة الطلاق أما ثلاثة قروء : فثلاث حيض . حدثنا حميد بن مسعدة ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، قال : ثنا سعيد ، عن أبي معشر ، عن إبراهيم النخعي أنه رفع إلى عمر ، فقال لعبد الله بن مسعود : لتقولن فيها فقال : أنت أحق أن تقول قال : لتقولن قال : أقول : إن زوجها أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة عدة الطلاق ، قال : ذاك رأيي وافقت